مشاهدة النسخة كاملة : الانهاية


the ninja
06-12-2009, 09:34 AM
الانهاية


تأليف: بيتر بينتلي
ترجمة و تعريب : توفيق محمد السهيلي

لو كان الموت هو نهاية الوعي. لكان آينشتاين على صواب, اللعنة عليه! أنا حبيس سجن من اللحم و العظم. جسمي ذاته هو أداة التعذيب التي تحجمني مجرد أحمق باك, غير قادر على الكلام, عاجز عن الحركة بشكل مناسب, و لا مقدرة لي على فهم من حولي. لست بأفضل حالا من فليفله خضراء, ما عدا أن الفرق بيننا هو جذور الوعي داخلي. عقلي لا يزال سليما! أنا ما أزال هنا! أضم قبضتي ثم أبسطها مجددا. خفقات قلبي تحتذي ببعضها الواحدة تلو الأخرى في صدري. النظر إلى أسفل يجعل رأسي يترنح كدمية مصنوعة من الخرق البالية. يداي لا فائدة منها, فأنا بالكاد أستطيع التحكم بهما. هاتان اليدان اللتان كانتا تعملان بمبضع الجراحة بكل دقة في النسيج العصبي البشري في أرقى مختبرات الأبحاث في العالم, باتتا الآن عاجزتان حتى على حمل مطرقة على استقامة واحدة. إذا كانت هذه سنة الحياة, فأتمنى أنني لم أولد !

شمس الصيف تدفئ رأسي الأصلع. أشهق و أزفر محاولا للمرة الألف أن أستعيد القدرة على التحكم التي كانت لدي مرة أخرى. على الأقل أحس أن رئتاي نظيفتان مرة أخرى. رائحة العشب الندي الذي أجلس عليه تملأ أنفاسي و أنفي. و طنين نحلة عابرة ينسيني و يدعني أنسى أمر المطرقة و ألتفت حولي باندهاش. ضجيج الحشرة يتلاشى حتى قبل أن أراها, و هذا ليس لأني لا أستطيع الرؤية بوضوح بأي حال. فكل ما هو بعيد متر عني يبدوا مغبشا فيجعل الأجسام المرئية مضاعفة, لكن نظاراتي ما عادت معي.

تجثو أمي على ركبتيها بالقرب مني. و تبدو شابة جميلة بشكل لا يصدق و هي تعتني بأختي التوءم. كيف يمكن أن تبدوا كذلك؟ تبتسم في وجهي و تلتقط المطرقة, و بحركة من يدها لا تستطيع يداي تقليدها تريني كيف يمكن استخدامها على قطعة خشب. هل كان من المفترض أن يكون هذا درسا تلقنه إياي؟ أو لا تدرك أني أحد جراحي الأعصاب و أكثرهم خفة و رشاقة في اليد ممن هدتهم البشرية؟ لا, بالطبع هي لا تدرك ذالك.يزقزق عصفور في الأشجار ورائنا. مجرد المحاولة للنظر إلى الوراء تجعل العالم يدور بي و أنا أقع إلى الخلف. أنا أشبه بسلحفاة مقلوبة على ظهرها, لا يمكنني فعل شيء عدا التلويح بذراعي و رجلي, و مع ذلك فشذا الأعشاب طيب. أشعر بنسيم بارد منعش يصفع وجهي. أشعر بجلدي طريا ناعما و حساسا لكل تجربة, أشعر بدغدغة في أنفي تدفعني إلى العطس. أسمع أختي التوأم تقرقر. لا بد أنها ترى ورطتي أمرا يبعث على الضحك. لكني أعرف أنها خلف قناع الطفولة تشاطرني إحباطي. لا أحد منا قادر على التركيز على أي شيء لأكثر من دقيقة أو اثنين. غير أننا سويا نعرف أنه علينا المحاولة قبل أن نفقد إحساسنا بنفسينا. بوسعي رؤية ذلك في عينيها. ذلك الشعور بالفقدان مع تلاشي ذواتنا شيئا فشيئا, يوما بعد يوما, يجعلنا أقل و أقل مما هو نحن..مما كنا عليه... مما سنكون. أعرف أنها تتذكر. بالطبع يجب عليها أن تتذكر. يجب عليها أن تتذكر.

كل يوم أحاول أن أتكلم, أن أشرح لها ما أعرفه عن طبيعة الوعي هذه هي فرصتي لأحقق ما عجزت عن تحقيقه خلال ثلاثين سنة من البحث في مجال علم الأعصاب. حتى الآن كلماتي كلها كانت غير مفهومة. عندما أتعلم مجددا كيف أحرك فمي و لساني بشكل مناسب لأنطق الكلمات التي أطوق إلى قولها, سيكون ذلك أعظم انجاز علمي في الأزمنة كلها. يقولون: من أفواه الرضع...حسن, هذه المرة سيكونون على صواب.

بعد سقوطي تعيد أمي إيقافي, و تمسح أنفي الراشح. تعثر على دورق العصير و تجعله بلبلة الصغير في فمي. تفعل الشيء ذاته مع أتي بإبريق آخر. كلانا نرشف العصير مصدرين بعض الضجيج. نكهة العصير الحامض ترسم ابتسامة السرور على وجهينا. سرعان ما يفغ دورقي من العصير, و أسمع بربرة من كلمات ليس لها معنى من كلمات ليس لها معنى, فأتجاهلها, ثم أمسك مطرقتي البلاستيكية قبل أن تمتد إليها يد أختي. تجلس أمي مرخية ظهرها إلى الوراء ممسكة بكتابها ذي الجلد القماشي المنسدل الأطراف. و بينما أنا أمسك بشكل أخرق مطرقة اللعبة بيدي اليمنى, أنظر إليها مفكرا. كم سيطول بي الوقت حتى أعرف الحقيقة. إلى متى أستطيع التمسك بذكرياتي الغالية قبل أن يطويها الضياع و أتحول إلى إناء فارغ مثل إبريقي حتى يعاد ملؤه بالمحتويات نفسها لا غير. يجب علي التمسك بماضي, بحياتي.

هناك ذكرى واحدة يهمني أن أتمسك بها فوق أي من الذكريات . أكثر من ذكريات عملي, و زوجتي الجميلة, و أطفالي الثلاثة, و أحفادي الخمسة..آه يا الله! تخونني الذاكرة حتى أنني أعجز عن تذكر أسمائهم! أحدهم كان يدعى جون. أو جوني. أم لعلها كانت أخي الصغير؟ كان ذا شعر أشقر..أم لعلها كانت ابنتي ؟ وهوهة لا إرادية تفر من فمي. ترمقني أمي بنظرة قصيرة من وراء كتابها. أحاول أن أهدئ نفسي, لكن الأمر ليس بهذه السهولة. أحاول تركيب الذكريات, لكن حيثما يجب أن تتراكب لا أجد إلا فجوات. لكم هو مخيف أن تعرف أن حياتك تسرق منك و لا يسعك أن تفعل أي شيء لتتمسك بها.

غير أن انتباهي يتشتت من جديد. ذكرى وحيدة تبقى محفورة في عقلي كما لو كانت دمغة بسيخ للكي. هذه الذكرى قوية جدا إلى حد أنها لا يمكن مجرد مصادفة أو خطأ. و ربما أن الصدمة التي أحدثتها قد تغلغلت في أعماق عقلي:.... إنها ذكرى وفاتي قبل ثمانية عشر شهرا. رائحة المخدر المعهود في الغرفة الكبيرة. بإحساس من الإحباط انفتلت على كرسي المخبر الدوار, الذي صر مع دوراني. النتائج الأخيرة لم تكن صحيحة. فحص لطخ ال ( جي إف بي إي ) لم ينجح, و نتائج الخزع المستخرجة بالكاد مقروءة. أعدت تعديل المجهر و أنا أكبح تنهيدة من فيهي. كان المفروض بهذا أن يكون الخيار المثالي لتجربة تكمية مثناة.

التجربة كانت آخر محاولاتي لتتبع آثار الوعي داخل المخ. كنا نفحص مرضى معوقين بصورة يمكن قياسها, أشخاصا تمنعهم الإعاقة من الإدراك الواعي لأفعال عادية مثل رؤية الحركة لكن مع ذلك قادرين على تنفيذ هذه الأفعال بصورة لا واعية. بدلا من دراسة مرضى أحياء, ركزت مجموعة بحثي على دراسة المركبات العصبية بعد موتهم. خزع كبيرة من مناطق حساسة في المخ كان يجري تحضيرها و تقطيعها إلى صفيحات لا تتجاوز سماكة الواحدة منها سماكة الخلية الواحدة, و تلوينها, و مسحها حاسوبيا ثم معالجة الصورة, ثم يقوم برنامج تحليلي باستنتاج وصلاتها العصبية الأصلية بشكل ثلاثي أبعاد.

هذا المريض كان مثيرا للاهتمام بصورة خاصة, فعلى ما يبدو إضافة إلى أنه كفيف البصر, كانت الأعراض المصاحبة لكل نوبة من النوبات صرعة تشبه تجربة قرب الموت النفق البلاستيكي و بآخره نور أبيض, و الشعور بانعدام الوزن و السكينة. كان يبقى واعيا في كل مرة يمر بهذه التجربة. الخزع المأخوذة من فصيه الجداريين كان من المفترض أن تكون ممتازة للتجربة. لكنها تلفت الآن, اللعنة, كل ذلك بسبب كمية فاسدة من الأصبغة الملونة. متنهدا, أخرجت الصفيحة من تحت عين المجهر, و توجهت إلى حاوية القمامة الطبية و تخلصت منها, كانت ساعة يدي تشير إلى السابعة و اثنتين و عشرين دقيقة, أي أنني كنت متأخرا ساعة عن الموعد الذي وعدت زوجتي بلقائها عنده. خلعت معطفي الطبي العتيق, و تناولت معطفي, و بعد أن أقفلت باب المختبر أسرعت أنزل الدرج, كل درجتين معا كالعادة, ووضعت بطاقة التعريف الإلكتروني في ثقب البوابة الأمنية, و غادرت المبنى. كانت السماء تمطر حين ذاك. أضواء أعمدة الإنارة تعكس وجهها من على الرصيف المبتل. أضواء سيارتي الأمامية أنارت باتجاهي بصورة متقطعة حالما شغلت زر إزالة إجراءات الأمان عن بعد, و بعدها سمعت تكة الباب المطمئنة بعدما أغلقته.

أكاد لا أنذكر جيدا أول جزء من عودتي من المختبر إلى بيتي. كان تفكيري منشغلا بالخزع الفاسدة. كم أسبوعا تأخرنا بسبب ذلك الفشل؟ ضوءان مبهران أمام وجهي مباشرة. ربما يس الهواء انتفخ أمامي في السيارة. ضجيج مريع يصم الآذان بدا و كأنه صادر من داخل جسمي. لوهلة أحسست بألم مبرح.

بعد ذلك بدت ذكرياتي ضبابية. و أنا أفتح عيني لفترة قصيرة لم أشاهد إلا الظلمة. لم أشعر بألم. لكني أحسست بأن رأسي لم يكن على ما كان...كما لو أنه... تغير في الشكل. كما أني لم أستطع التفكير كما ينبغي, كما لو كنت مخدرا. لا شيء بدا منطقيا. عجزت عن فهم ما كان يجري.
ظلام.

بعد مرور فترة غير معروفة من الوقت, سمعت صوت امرأة, تتحدث إلى شخص أخر, كان لصوتها صدى كما يبدو, كما لو كانت في غرفة كبيرة. بدا صوتها هادئا و ... مألوفا. على مسافة قريبة جدا مني كنت أسمع صوت تكتة و هسهسة...تكتكة و هسهسة بدأ أنها تجعل من صدري يرتفع و ينخفض.

ظلام.

شعرت بيد تضغط على يدي. أعتقد أنني ضغطت تلك اليد أيضا.

ظلام.

أصوات مرتفعة. بعض الضغط, مثل ضغط بعيد على صدري. بدا بعيد جدا.

ظلام.

صوت امرأة مخنوق, كما لو كان صادرا من وراء جدار. الصوت كان نوعا ما مطمئنا.

ظلام.

بدا أن عيني كانتا مغلقتين تماما, لكن كان بوسعي الإحساس بحركة ما. كنت أحمل إلى مكان ما, حاولت تغيير وضعيتي, لكني كنت ملفوفا بصورة ما, بشيء ما, أعجزني عن ذلك.

ظلام.

the ninja
06-12-2009, 09:37 AM
بدأت استيقظ شيئا فشيئا. في كل مرة لم أكن قادرا على رؤية أي شيء, لكنني كنت دائما أسمع صوت المرأة المخنوق نفسه, و من حين إلى آخر صوت رجل من بعيد. بدأت أحاول الحركة. أتلمس ذراعي و ساقي بوهن. في بعض الأحيان كنت أشعر بشيء ناعم كما لو كان يضخ داخل. بشكل مغمغم أدركت أني لم أكن أتنفس! لكن بدا أن ذلك كان يصيبني بالذعر. فجأة تغير كل شيء حولي. أصبح صوت المرأة أعلى. كانت هناك أصوات أخرى. أشياء كانت تدفع نحوي من الاتجاهات و الجوانب كلها. كان يتم إخراجي من سريري كما يعصر معجون الأسنان من ماسورته. أحسست برأسي لينا كالبالون. كنت أشعر برأسي الصغير يتغير شكلا بتأثير الضغط. بدني كله تقلص بتأثير الضغط و تمدد كما لو كنت أحد الأبطال المطاطيين الخارقين. و بعدها... كان كل شيء مبهرا و باردا بصورة تبعث على الصدمة. لم يكن بوسعي رؤية أي شيء إلا الضوء المبهر. بشكل ما قلبت رأسا على عقب و صفعت على ظهري بشدة. سائل حار أخذ يخرج م رئتي أخذت أشهق شهقة من الهواء المتجمد البرودة. و مع هذه الشهقة جاء عالم من الروائح الغريبة عني كمنظر من سطح المريخ كان الأمر فضيعا. زريت عيني و صرخت.

ثم توقفت مندهشا- الصوت الذي خرج من بين شفتي.....كان صرخة رضيع!!
قبل الذي أعرف ما الذي يجري, تم لفي بقطعة قماش و إمساكي بقوة. عجزي عن الحركة كان مريحا بصورة تدعو إلى الدهشة. رضيع ثاني كان يصرخ في الغرفة. تساءلت من يكون, نقلت من يدي شخص إلى آخر. دفء في قطعة قماش. صوت المرأة التي تحملني. عيناي ما كانت قادرتين على جعلي أراها, لكني كنت أعرف هذه المرأة التي تحملني. عيناي ما كانتا قادرتين على جعلي أراها, لكني كنت أعرف هذه المرأة. آخر مرة رأيتها فيها كانت في التاسعة و السبعين من عمرها. على سرير في إحدى المستشفيات, تلفظ أنفاسها الأخيرة بينما كان السرطان يستلبها مني. كانت أمي. كانت شابة من جديد. بكيت.

حياتي بدأت من جديد, أيامي المشرقة مرت كما لو كان الواحد منها دهرا. كل يوم كان اكتشافا جديدا لمحدودياتي و حيراتي. بالطبع شعرت بالحبور الكبير لرؤية والدي و أختي على قيد الحياة و في صحة جيدة مجددا. لكن و مع تحول الأيام إلى أسابيع كان إحساسي باليقظة يزداد شيئا فشيئا, و كنت أتذكر من حيتي السابقة أكثر فأكثر. سمعت صوت والدي, و عرفت أنهما لا شك يتحدثان الإنجليزية. رغم أنني كنت عاجزا عن فهم ما كانا يقولانه. لكنني أتذكر أنني كنت إنسانا نشيطا أعتاد الركض خمسة كيلومترات يوميا. و ها أنا ذا أجد نفسي عاجزا حتى عن تحريك رأسي! لهذا كان علي التعلم هذه المهارات من جديد كل يوم. أكتشف كيف أفكر في العالم حولي. أعيد تعلم ألوان و روائح كل شيء.

التعلم كان مجهدا لكن سريعا, لأنني لم أكن أفعل شيئا سوى استرجاع ذكرياتي الموجودة. كل رائحة كانت تذكرني بكون آخر من الذكريات. رائحة تفتح أزهار الكرز باليوم التي التقيت بزوجتي سارة, و رائحة البحر بيوم ميلادي الثلاثين في جزر هاواي, و رائحة الوقود النفاذة, بموت أختي المأساوي حين دهسها سائق مخمور و هي لم تكن تتجاوز الثالثة عشر من العمر.
أمضيت ساعات مع توءمي, ألعب معها, لكن بشكل أساسي أتمعن فيها, أنظر في أي علامات تذكر بحياتها القصيرة التي عاشتها. كنت متأكدا أن لديها بعض من مثل تلك الذكريات.
لكن دون وسيلة اتصال معها لم أستطع فعل شيء عدا التحديق فيها. هل كانت ابتسامتها تعني أنها كانت تفهم أفكاري؟ هل كانت تلك الدموع تنم عن الجوع, أو عن الغضب لموتها بعد سنوات قليلة من الآن؟ هل كان تفردها الأناني بدماي تعويضا عن قصر حياتها مأساوية المصير؟ و مع تحول الأسابيع أشهرا حول الإحباط مزاجاتي متقلقلة و مليئة بسورات و فورات دون سبب, فمع كل تجربة جديدة كانت تحرر الكثير من الذكريات القديمة التي كانت تذكرني بما فقدته, لكني لم أكن قادرا على أن أكلم أحدا.

مؤخرا, بدأت الأمور بالتغير. ذكرياتي السابقة صارت تفقد إلحاحيتها, و تذوي. كلما تقدم بي العمر, بدا أن تجاربي الجديدة تحل مل مستقبلي الضائع. أجاهد لأتذكر كيف كنت أرعى والدي خلال فترة صراعه الطويل مع مرض الخرف المبكر(الزهايمر), لكن ما أذكره بشكل رئيسي هو ذلك الشاب الذي يلاعبني بدحرجة الكرة إلي. ذكريات ملاعبي في الأمس تبدو الآن أكثر واقعية و حيوية بكثير من ذكريات ما سأكون عليه في المستقبل. إذن, ها أنا ذا هذا الصباح, عمري لم يتجاوز السنتين, لكن بذكريات مهشمة مبعثرة عالم أعصاب من القرن الحادي و العشرين يبلغ من العمر سبعة و خمسين عاما, جاسا على العشب في حديقة أبي الخلفية, ألعب بمطرقة بلاستيكية لا أستطيع الإمساك بها كما ينبغي. تراودني أفكار يجب أن تكون فوق حد مقدراتي. مجددا أرمق أختي بنظرة. لو أنها كانت تستطيع النطق, ماذا كان عساها تقول؟ هل تركض في نفس السباق كما هو حالي؟ أتحاول أن تعيد الكلام قبل أن تفارقها ذكريات ماضيها أو ذكريات حياتها المستقبلية؟ أنا بالفعل أجد صعوبة إلى حد يدعو إلى اليأس أن أتذكر ما أريد قوله للعالم. هل كان شيئا يتعلق بالوعي, أم كان يتعلق بقدرتي على ركل كرة قدم؟ عندما يدوم اليوم إلى الأبد, تبدو معه التساؤلات عميقة المعنى أقل أهمية من معرفة طعم ورقة شجر.

أستجمع نفسي مجددا. يجب علي أن أتذكر. علي أن أحاول. أتذكر ماذا؟ شيئا عن الماء؟ أعبس محاولا جعل مخي الصغير يفكر بوضوح أكثر. البارحة كنت أراقب تموجات الماء في حوض استحمامي تنتشر إلى الخارج و ترتد إلى الحوض و تتمازج مع بعضها. بينما كنت أراقب, فكرت: هذا أنا. حياتي سلسلة من أحداث تشيه تموجات الماء عندما تنتشر بعيدا عن مركزها و ترتد عائدة إليه, مرة تلو مرة, إلأى الأبد. هذه الأحداث تشكل أدمغتنا منذ البداية. الآن صار عندي هذا الإدراك. مخي, مخي الرضيع, مثل مخ أي طفل صغير, يغص بخلايا عصبية, أو عصبونات, و وصلاتها, أكثر بكثير مما سأحتفظ به كخص بالغ. لكن لو كانت أحداث حياتي كلها موجودة في مخي أصلا, فهل يعني أني عشت حياتي هذه مرارا و تكرارا إلى عدد غير متناهي من المرات, و سأواصل عيشها إلى الأبد؟ لا يستطيع أن يعيش شخص بالغ بهذا الكم من الذكريات المتراكم بصورة لا نهائية.
و لهذا أسمح لنفسي أخيرا أن أفهم, أنني مبرمج مثل الجميع على نسيان هذه السنوات السابقة, و بسبب فقدان الذاكرة هذا, أنسى أنني خبرت كل ثانية من كل دقيقة في السابق. لكي أتكيف مع حياتي الأبدية, علي أن أعتقد أن هذه أول مرة أحيا, في كل مرة.

مصابا بالصدمة, أسقط مطرقتي البلاستيكية على العشب. أنا أحمق. لن أغير العالم أبدا بإعلان طفولي سخيف ما. لأعرف ذلك لأنني ما أزال قادرا على تذكر طوفان حياتي حتى مع انملاص التفاصيل نحو الضياع من بين يدي المقبوضتين. أتذكر بالفعل انسياقي طوال حياتي لفهم المخ و الوعي. سوف أنسى الحقيقة, لكن سأحافظ بدافع لا واع لأخبر تلك الحقيقة سوف أصبح عالما في مجال الأعصاب, و أكرس حياتي المهنية لحل المسألة التي كنت أعرف جوابها منذ أن كان عمري ثمانية عشر شهرا.

نحلة أخرى تزأر مارة قرب رأسي قاطعة حبل أفكاري. بماذا كنت أفكر. آه, نهم. التقطت مطرقتي البلاستيكية. أبي سيعجب بي إذا استطعت الطرق على الوتد الأزرق. إلى جانبي تلعب أختي ببعض المكعبات الخشبية التي عليها أحرف, ترتبها بصورة خرقاء على صف واحد. لا أحد منا يستطيع قراءة الكلمة التي شكلتها بهذه الصورة.

بينما أطرق بخرق بمطرقتي, أحس بإدراك ضبابي بأن مخي يواصل نموه الطبيعي فاقدا المزيد من العصبونات, و المزيد من الوصلات العصبية. ذكرى شيء كتبه آنشطاين ذات مرة في رسالة تدور في خلدي: (لا أحد يضيع أبدا, كل واحد منا سيبقى موجودا في منطقة معينة من الزمكان (الزمان- المكان) محفوظا تماما كما لو كان عالقا في قطعة كهرمان).
ما لم يتذكره عالم الفيزياء الشهير, عندما كتب هذه الكلمات ليروح عن أحد أقربائه الذي فقد عزيزا عليه...ماذا كان اسم عالم الفيزياء مرة أخرى؟...هل يا ترى أن وعيه عالق أيضا في قطعته الكهرمانية من الزمكان, محتوم عليه أن يخرج من فقاعة, ليدخل أخرى, إلى الأبد؟ قطعة الذاكرة تذوي........... ثم تتلاشى...........................

سايا أميرة القنص
06-12-2009, 11:44 AM
واو وصف دقيق و رائع شكرا على الموضوع الجميل

ريمي
06-12-2009, 03:09 PM
السلام عليكم
موضوع رائع
شكرا جزيلا لك

the ninja
06-13-2009, 05:32 PM
شكرا جزيلا أميرة أنستازيا و ريمي على مروركم المنور

و يسعدني أن المضوع قد أعجبكم

ساكورا هارونو
06-14-2009, 11:12 AM
واو
موضوع روعهـ
شكـرا
........

the ninja
06-15-2009, 08:04 AM
شكرا جزيلا ساكورا على مرورك

و يسعدني أن الموضوع قد أعجبكم

~Ino-Mimiko~
06-15-2009, 10:27 AM
رائع جدًا ,,اكثر ما اعجبني في الموضوع اسلوب الكتابة...:)
شكرًا لك..

the ninja
06-15-2009, 06:12 PM
شكرا إينو على مرورك المنور و يسعدني أن الموضوع قد أعجبك

عاشقة القناص
08-09-2009, 02:32 PM
الموضوع فعلا جميل
و أنا كمان أعجبني أسلوب الكتابة فيه
تقبل مروري
مع تحياتي: عشوووووووووووووقة

دمعة ثلج
08-24-2009, 12:17 AM
جميل طريقة كتابتك للموضوع
شكرا لك على الموضوع عزيزتي
تقبلي مروري~_~

Devils of friends
04-02-2010, 01:20 PM
وااااو الموضوع عن جد جميل
و الخصوص أن الكثير من التسائلات عن ماذا يفكر المولود عند ولادته و قبل ولادته

هذا الخيال فريد من نوعه و له طريقة مميزة حقا
و كذلك طريقة كتابته

شكرا لك أخي على الموضوع ^^